سعد سلوم
في الثالث من آب أغسطس المقبل تحل الذكرى السادسة للإبادة الجماعية للإيزيديين، في وقت تستقبل فيه سنجار أفواجا من النازحين العائدين الى أرض ملتبسة، موقعها الجيوسياسي جعل منها”جغرافيا” جاذبة لأطماع إقليمية، اما على صعيد داخلي فما تزال مشكلة ازدواجية الإدارة لسنجار تعبيرا عن صراع مستمر بين اربيل وبغداد على هوية المنطقة ومستقبلها. وأعتقد بإن افضل هدية تقدمها حكومة الكاظمي للايزيديين بمناسبة الذكرى الأليمة هي حل الازدواجية الادارية من خلال اختيار صوت ايزيدي مستقل لإدارة سنجار. من شأن هذا الاختيار تجاوز هوة انعدام ثقة الايزيديين بالشخصيات السياسية القادمة من دوائر حزبية تقليدية للحزبين الكرديين او حلقة قريبة من أطراف النزاع الراهنة في سنجار، ويمكن أن يعد ذلك خطوة لإستعادة ثقة الجمهور الإيزيدي بالحكومة العراقية، وتخليصا للقضية الايزيدية من التسييس المفرط، وتحريرا للارض من اللعبة الكبرى لتوازنات القوى الداخلية/الأقليمية، والأهم من كل ذلك : تبديد غموض المستقبل الذي يمنع النازحين من العودة.
يستوجب الاحتفال بالذكرى السادسة للأبادة الجماعية إن نمنح الايزيديين أملا يشجع النازحين على عودة مستدامة، ويخرج المنطقة من الصراع الذي اصبح عامل استدامة للإبادة الجماعية بحيث أصبحنا نتحدث عن إن “الابادة ما تزال مستمرة”. في حين أصبح الخطاب المهمين لسنجار في المحافل الدولية تنميط لمكان موت و إبادة متجذر، وبسبب الصراع الجيوسياسي الداخلي والإقليمي أصبحت سنجار مثالا لفشل العراق كدولة، ومن المهم ان تصبح مقياسا لنجاحه وجعله دولة قابلة للحياة. من وجهة نظري فإن “مراد اسماعيل” الحائز على شهادتي ماجستير، اخرها من جامعة هيوستن في الولايات المتحدة هو الاختيار الانسب. إذ يعد مراد من اكثر الأصوات فصاحة في التعبير عن القضية الايزيدية على الصعيد الدولي، وكان دوره حاسما في إطلاق “يزدا” المنظمة الدولية التي أصبحت مثالا رائدا في العمل المدني في قضايا الإبادة الجماعية والأقليات، وأسهمت في إعادة بناء ثقة الايزيديين بأنفسهم بحيث أسسوا عشرات المنظمات الأخرى لخدمة مجتمعهم الأوسع. كما إدار مراد حملة “نادية مراد” لمدة عامين، وقد مهدت هذه الحملة لفوزها بجائزة نوبل للسلام 2018. لقد احرز مراد خلال السنوات الماضية احتراما منقطع النظير من قبل محافل ومؤسسات دولية، وبنى شبكة من العلاقات الدولية يمكن استثمارها بعناية، اكثر من إي شخص اخر، لإعادة بناء سنجار، وفي ضوء الأزمة الاقتصادية التي تواجه الحكومة العراقية يصبح اختياره (خيارا عمليا) مهما في هذا السياق، بقدر ما هو خيار مناسب بفضل خبرته كفرد، وما ينطوي عليه من رؤية، وما يمتلكه من ايمان. ليس اختيار مراد سوى فكرة تخيل مجتمع بديل، (ما بعدي) للنزاع، وعلامة على صناعة موديل جديد للنجاح. يقوم على معادلة تحويل سنجار من رقعة جغرافية كانت مصدرا لنزاع اثني الى سياق تنافسي جذاب للأطراف ذات المصلحة من أجل تنمية اقتصادية شاملة للمنطقة، ومن ثم، تحويل الصراع الى تنافس إيجابي لتطوير سنجار، بحيث تتنافس نخب الموصل ونخب سهل نينوى ونخب سنجار وبقية المناطق لتطوير مناطقهم المختلفة، معادلة تجعل من هذه المنافسة (ثقافة) تشمل مناطق العراق ككل.
نعم، يمكن تحويل سنجار الى سنغافورة عراقية او دبي الأقليات العراقية، لا سيما مع وجود نخب رجال اعمال ايزيديين في المانيا ودوّل اخرى تود الاستثمار واطلاق سلسلة من المشاريع التي تمتص البطالة وتنعش المنطقة المنكوبة، لكن هذا الاستثمار مشروط برؤية ضوء في نهاية النفق، بلمس شعاع أمل قريب. وتنسحب هذه الرغبة على نخب كلدانية في ميشيغان وآشورية في شيكاغو في الاستثمار في سهل نينوى اذا رأت مثل هذا الأمل ينمو أنطلاقا من سنجار، انه مسار يتبنى منهجية لتحويل الصراع من نزاع اثني الى تنافس اقتصادي، وتطوير موديل نجاح لمابعد داعش لجميع مناطق الموت والعدم السياسي. أقول أنه يمكن توظيف الدياسبورا المسيحية والايزيدية كرافعة لموديل مدن (ما بعد النزاع) في سنجار وسهل نينوى. ومن يزور ارمينيا الفقيرة بمواردها، ويلمس دور الشتات الارمني في اعادة بناء ارمينيا، سيفهم تماما قدرات شتات ما بعد الابادة الجماعية على شفاء جراح الذاكرة والانتقال الى حالة التعافي الجماعي، ويمكن بالمثل إن نضرب مثال رواندا في السياق الأفريقي، لكي نضيء مسار سنجار بالأمل في الذكرى السادسة للإبادة الجماعية.
من المهم إن إشدد أيضا، الى إن الحاجة لإختيار (مراد أسماعيل) يعد علامة على روح وحساسية جديدة لتعافي المجال السياسي العراقي بعد ثورة تشرين الشبابية، وكما يمثل اختيار الكاظمي رئيسا لوزراء العراق خطوة رمزية في مسار اصلاحي اطلقته هذه الثورة، فإنه ليس لدي شك في أن اختيار (مراد اسماعيل) بالمثل لادارة سنجار بشكل خطوة مماثلة. خطوة عظيمة لتحرير سنجار من التنافس السياسي وإعادة المواطن الايزيدي الى معادلة ازيح عنها باستمرار. نحن في امس الحاجة الى نخبة سياسية جديدة تقود البلاد الى بر الأمان، على نحو معادل لما حققته النخب السياسية الجديدة في القرن الافريقي، تلك النخب التي حررت منطقة توطن فيها النزاع لعقود الى بيئة جاذبة للاستثمار الاقليمي والدولي والعمل المشترك بين أطراف النزاع وخدمة لمصالحهم المتبادلة. فكان الرئيس الليبرالي الآثيوبي (آبي احمد) ضابط المخابرات السابق والحائز على نوبل للسلام ٢٠١٩، والرئيس (فرماجو) الصومالي الحائز على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة بافلو، مثالان على نخبة فككت عقدة جوار سياسي معقد زاخر بالكراهية ومحمل بأرث الكولنيالية والحرب الباردة، وصولا الى تسوية تاريخية عكست مصالحة خلاقة خدمت مصالح الجميع. وبالمثل يمكن لنخب سياسية عراقية جديدة مثل مراد، أن ترفع سنجار من مكان للإبادة الجماعية الى مصاف مثال نجاح عراقي، مثل مسار رواندا العظيم والناجح للتحرر من ذاكرة الابادة الجماعية. وتحويل الايزيديين من ضحايا الى مواطنين فاعلين وجزء من رأسمال بشري اهم من النفط.
وتحويل الايزيديين من ضحايا لذلك احث العشائر الأيزيدية كافة في سنجار والزعامات الشعبية مثل الشيخ (نايف جاسو) مختار قرية كوجو المنكوبة، وفي مزار شرف الدين القائد (قاسم ششو)، والقادة (قاسم شفان) و(حيدر ششو) وجميع قادة المقاومة الايزيدية، والقائد (خال علي)، ومجلس إدارة سنجار، وكافة الأحزاب السياسية في سنجار على التفكير في دعم خيار حكيم يخلص الهوية الإيزيدية من التشتت وينقذ الإيزيديين من تبعات الإبادة الجماعية. إنه وقت القرار الإيزيدي الموحد إيها القادة والزعماء، وشعبكم يتطلع اليكم من أجل البقاء.
أخيرا، أدعو رئيس الوزراء (مصطفى الكاظمي) ان يضع بنظر الاعتبار وضع اشخاص مثل (مراد اسماعيل) في مكانهم المناسب ضمن خطة اصلاح النظام السياسي وادارة المناطق المتنازع عليها بحكمة. وان اشخاصا في فريق الكاظمي بمثل قدرات مراد وخبرته يمثل خيارا حكيما لبناء دولة قابلة للحياة بعد عقود طويلة من الفشل.

By admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.